محمد طاهر الكردي

165

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

هذا ولما رأت قريش أنهم عجزوا عن رد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الدعوة ، أجمعوا أمرهم على منابذة بني هاشم وبني المطلب ولدي عبد مناف ، وإخراجهم من بطن مكة والتضييق عليهم فلا يتعاملون معهم بشيء ، فلا يبيعونهم شيئا ولا يبتاعون منهم حتى يسملوا " محمدا " صلى اللّه عليه وسلم للقتل ، وكتبوا بذلك صحيفة وضعوها في جوف الكعبة المعظمة ، فانحاز بنو هاشم بسبب ذلك في شعب أبي طالب ، وهو المعروف اليوم " بشعب علي " ، ودخل معهم بنو المطلب سواء في ذلك مسلمهم وكافرهم ما عدا أبا لهب ، فإنه كان مع قريش ، فلما انفصلوا عن قريش بالشعب المذكور ، جهد القوم جهدا عظيما وتعبوا تعبا شديدا حتى أكلوا أوراق الأشجار ، لأن قريشا شددوا الحصار عليهم ، وكان ذلك في السنة السابعة من البعثة ، ومكثوا على هذا الحال من الضيق والتعب الشديد ثلاث سنوات . ثم قام خمسة من أشراف قريش وعقلائهم يطالبون بنقض هذه الصحيفة منهم زهير ابن أبي أمية المخزومي ابن عاتكة عمة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فغدا من الصباح إلى المسجد الحرام وقد لبس حلته الجميلة ، فطاف بالبيت ثم أقبل على قريش ، فقال : يا أهل مكة ، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم وبنو المطلب هلكى لا يبيعون ولا يبتاعون ، واللّه لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة الظالمة القاطعة " أي قاطعة للرحمة والمحبة " . فقال أبو جهل : كذبت ، فقال زمعة لأبي جهل : أنت واللّه أكذب ، إننا ما رضينا حين كتابتها ، فقال أبو البختري : صدق زمعة ، وقال المطعم بن عدي : صدقتما وكذب من قال غير ذلك . وصدق على ما قال هشام ابن عمرو ، فقام إليها المطعم بن عدي فشقها ، وكانت الأرضة قد أكلتها فلم يبق فيها إلا ما فيه اسم اللّه ، وقد أخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم عمه أبا طالب بذلك قبل أن يفعل ما ذكر . فخرج القوم إلى مساكنهم بعد هذه الشدة ، وجاء الفرج والنصر من اللّه عز وجل . فانظر رحمنا اللّه تعالى وإياك إلى ما لقيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الإيذاء والبلاء والتعب والشدة ، في سبيل الدعوة إلى عبادة اللّه تعالى وحده لا شريك له ، وهو أكرم على اللّه عز وجل الذي له ملك السماوات والأرض ، فهل نحن لقينا من الشدة والبلاء ، ما أكلنا في يوم من الأيام أوراق الشجر ، أو نمنا في العراء على الحجر ؟ كلا واللّه . فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام لهم من المنزلة السامية والمكانة